موسم الهجرة الي الجنوب

فاضللي أسبوع واحد بس في البلد و بعد كده هنشد الرحال على جنوب أفريقيا. مش عارف لسه أستوعب الموضوع و بتصرف كأني فاضللي شهور.

من يومي و أنا واخد على السفر و السنة اللي تعدي علي مسافرش تلاقيني بقيت ملول و مش على بعضي. بس السفر كام يوم حاجة و الانتقال لمدة طويلة حاجة ثانية.

زمان أيام الصحوبية لما كنا صغيريين و عبط مكانش عندنا احساس بأن الواحد له مطرح و أن له علاقة خاصة بمطرحه ده (اللي هي بيجعلصوها و يسموها انتماء)، كان بالنسبة لنا نعيش فين ده قرار الواحد بياخده و ينفذه حسب امكانياته زي قرار ندخل كلية ايه و نشتغل ايه، و كل ما نزور أو نسمع عن بلد نتخيل نفسنا عايشين فيها و بنينا خطط كثييير عن الحياة في بلاد كثييير بما فيهم مصر طبعا لكن احساسنا بكل بلد كان محايد جدا.

على ما اتجوزنا و استقلينا و كبرنا (خدي بالك أنهم حصلوا بالترتيب ده عكس المعتاد)، كانت ابتدت الصورة الرومانسية عن العالم كرقعة مفتوحة لينا تتغير، الأخ بن لادن شقلب الدنيا و أحنا وعينا ابتدى ياخد باله من ملايين المهاجرين و البهدلة اللي بيمر بيها أغلبهم و ناخد بالنا من العنصرية و ابتدينا نشك أن فيه فعلا حاجة اسمها هوية و انتماء و ثقافة محلية بعيدا عن الخطابات القومية المفتعلة.

بس دي كانت عملية تدريجية اللي كان واضح لينا بشدة هو أن السفر مش سهل زي ما أحنا متخيلين، و أننا عندنا مستقبل و حياة كريمة في مصر و بالتالي مفيش داعي للبهدلة.

Image removed. Image removed.

 

لحد ما رحنا جنوب أفريقيا في زيارة مع أنها قصيرة لكن فشخت دماغنا، على آخر الزيارة كنا خلاص عارفين أن هو ده المكان الي أحنا عايزين نعيش فيه، المكان و الناس و الطبيعة و التاريخ و السياسة و كل التفاصيل شدتنا تماما، و الأهم احساس عميق بحاجة مشتركة. و المرة دي التفكير بقى جد، عايزين نعيش في جنوب أفريقيا، و من بعدها اتحول مسار شغلنا و حياتنا بحيث أفريقيا تبقى في قلبه، و بقينا سنويا عندنا رحلة عمل في بلد من بلاد أفرقيا جنوب الصحراء و حلقة معارف مهنية في القارة بتتسع كل يوم و هاتك يا قراءة و مذاكرة و مزيكا و أفلام، و تنظير عن قومية أفريقية جديدة تجمع الشعوب مش الحكومات، و ضرورة التكامل الاقتصادي حول حوض النيل و الخ.

بس ما بين الخطة و التنفيذ أربع سنين كاملة، حصل فيهم حاجات كثيييير، بدأنا حياتنا المهنية و العملية بجد فيهم، اتعادت صياغة علاقتنا بعائلتنا بصفتنا أنداد و كبار فيهم، استقرت دوائر أصدقائنا و معارفنا فيهم، اشتركنا في شقاوة سياسية و حقوقية فيهم، اتشكلت شخصياتنا العلنية فيهم، اتبلورت فلسفتنا الشخصية و قناعتنا فيهم.

و في السكة دي بدأنا في رحلة لاعادة استكشاف مصر فينا، جنوب أفريقيا علمتني أسأل نفسي قبيلتي ايه و الاجابة طلعت و يا للعجب مصري -> عربي -> مسلم، المسألة موقفتش عند الهوية ابتدينا نكتشف ايه اللي بنحبه في مصر و ايه اللي مختلف في مصر و نتصالح مع مصر لدرجة ممكن تخلي علاء بتاع سنة 1997 يتجنن.

يعني مثلا أنا بحب جدا منظر العمارات الملونة العجيبة في شارع فيصل و المحلات اللي بتعمل حاجات غريبة في الفتارين و تضرب أنوار و ألوان كثير و كل محل مش زي الثاني في وسط البلد، و بتبضن نيك لما اروح بلد البيوت فيها كلها شبه بعض و المحلات فتارينها مش صارخة و عشوائية (فكرة الzoning بتدل على فاشية عميقة في عقلية الرجل الأبيض). ده مثال بسيط طبعا، لكن الموضوع أعمق من كده، مثلا أنا شايف أن العشوائيات حاجة ايجابية و أن المرور و المواصلات عندنا كويسين.

الموضوع اكتمل تماما بعد صدمة ايطاليا السنة اللي فاتت، سبق لينا أن زرنا 8 دول أوروبيا من شرقها و غربها و جنوبها و شمالها و وسطها، كانوا دائما رحلات ممتعة و يبقى نفسنا تتطول أكثر، و كان عندنا قناعة تامة أننا فاهمين أوروبا دي تماما و ما أسهل الحياة في أوروبا، لما اتاحت لنا فرصة العيشة في روما أربع شهور تصورنا أن الموضوع هيكون ظريف جدا، أنا زرت ايطاليا مرتين قبل كده و البلد لطيفة و بعدين بقالي سنين شغال مع طليان و فاهمهم و كله في التمام.

لكن طلع ليس من زار كمن عاش، الأربع شهور بتوع روما كانوا أكئب فترة في حياتي فعلا و مقدرناش نتألقم على العيشة و المجتمع بالمرة. رجعنا من الرحلة و حالة التصالح مع مصر في ذروتها. و حالة الشك في أننا ينفع نعيش في أي حتة غير مصر برضه في ذروتها.

عشان كده أنا مش عارف أسمي الرحلة اللي جاية لجنوب أفريقيا دي ايه، لو الأمور مشيت هنتنقل هناك لمدة طويلة، بس برضه مش عايز أسميها هجرة، دي نقلة مؤقتة يمكن تصفصف على ثلاث شهور، و يمكن سنة و يمكن خمس سنين (دي حاجة بتاعت ربنا زي ما أنتم عارفين). لكن في النهاية مطرحنا هنا في المخروبة.

أحنا مسافرين من غير المشاعر المعتادة من شباب رايح يشتغل بره بتاعت أن البلد بقيت خنقة، و ملناش مستقبل و العيشة مرة و الكلام ده، بالعكس عيشتنا في مصر ظريفة و مرفهة جدا، و الشغل كويس. و من بعد ما اتفقت على الشغل هناك و الشكوك عمالة تأكل في، مش يمكن تطلع زي ايطاليا و الانطباع اللي خدناه من الزيارة ملوش علاقة بواقع العيشة؟ مش يمكن يكون الانبهار ده مرتبط بأننا أول مرة شفنا البلد كنا في لحظة انتقالية بنتشكل فيها من أول و جديد ككبار مش عيال و ده مضخم احساسنا بالمكان، يا ترى هنعرف نعيش بعيد عن أهلنا؟

Image removed. Image removed.


ده غير طبعا دوامة التفاصيل العملية، تخيلوا مثلا أن أكثر تفصيلة مقلقة دلوقتي المواصلات لأن الانطباع اللي عندنا أن المواصلات هناك شبه معدومة و أحنا الاثنين مبنعرفش نسوق، انا لقيت شغل منتظم بس منال معندهاش هناك غير شوية شغل حر، موضوع الاقامة و تصريح العمل طلع أصعب مما تخيلنا، الأزمة الاقتصادية العالمية فاشخة الراند و مخلية المرتب اللي اتفقنا عليه من ثلاث أشهر يصغر و يصغر و يصغر.

ده غير طبعا فكرة الجريمة، أحنا متعودين على العيشة في بلد مش خايفين فيها غير من الحكومة، و بنمشي في الشوارع قرب الفجر براحتنا و محدش سرقنا قبل كده غير أمن الدولة، جنوب أفريقيامن أعلى بلاد العالم في انتشار الجريمة و العنف و لحد دلوقتي أحنا مش فاهمين ده أصلا معناه ايه.

يعني القصة أننا بدأنا فاكرين الدنيا كلها مفتوحة لينا و بعدين اكتشفنا أن جنوبها بس اللي ينفعنا و دلوقتي بياكلنا الشك أن يطلع الكلام بتاع اللي شرب من نيل مصر ده بجد (دي طريقة رومانسية في الاعتراف بأننا اقليميين جدا رغم كل تصوراتنا عن نفسنا أننا معولمين مقطعين السمكة و ديلها، زي كده ما السفر خلاني أكتشف قد ايه أنا برجوازي مرفه).

المهم نشوف وشكم بخير،و ادعولنا كده ربنا يفتحها علينا و نقدر نحضر كل ماتشات منتخبنا في كأس العالم.